الذكاء الاصطناعي المسؤول في الممارسة العملية: تأملات من مسابقة كأس الذكاء الاصطناعي المسؤول (RAI CUP)
2026-02-08
2026-02-08
نظم مركز إتاحة المعرفة من أجل التنمية (A2K4D) بكلية أُنسي ساويرس لإدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومبادرته الرائدة مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للذكاء الاصطناعي المسؤول، مسابقة "كأس الذكاء الاصطناعي المسؤول" (RAI Cup) يوم الأحد الموافق ١٨ يناير ٢٠٢٦ وذلك تحت رعاية وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
يتمثل الهدف الرئيسي للمسابقة في إتاحة الفرصة للشركات لاستعراض كيفية دمج مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول في مختلف المراحل، بدءاً من التطوير وصولاً إلى التنفيذ.
تُعد مسابقة كأس الذكاء الاصطناعي المسؤول المسابقة الأولى من نوعها في مصر الموجهة للشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة التي تقوم ببناء أو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في منتجاتها وحلولها التقنية. وقد انطلقت المسابقة في أكتوبر ٢٠٢٥ بهدف تحفيز هذه الشركات على تبني ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤول في عملياتها وتعزيز مفاهيم الذكاء الاصطناعي المسؤول.
شهدت المسابقة مشاركة واسعة، حيث تم فتح باب التقديم للشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة من مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وجمعت المسابقة مشاركات من ٤١ شركة. وتعين على الشركات أن تُظهر التزامها بتطبيق معايير الذكاء الاصطناعي المسؤول عبر تسعة محاور أساسية هي: الخصوصية، والمساءلة، والسلامة، والشفافية، والعدالة، والإشراف البشري، والمسؤولية المهنية، والقيم الإنسانية. وعقب عملية التقييم، تم اختيار أفضل خمس شركات لتقديم عروضهم النهائية في الحفل الذي أقيم يوم الأحد ١٨ يناير.
افتتح الفعالية الدكتور سامر عطا الله، أستاذ مشارك في الاقتصاد وعميد مساعد للدراسات العليا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث سلط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الجامعات في تعزيز الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والمسؤول والمستدام. وأشاد بمركز إتاحة المعرفة من أجل التنمية (A2K4D) كونه مركزاً بحثياً رائداً وصوتاً إقليمياً فاعلاً في النقاشات العالمية حول الذكاء الاصطناعي.
كما أكد الدكتور عطا الله، أأن هذا العمل لا يقتصر على النطاق الأكاديمي فحسب، بل يستمد قوته من التعاون الوثيق مع القطاع الخاص. وشدد على أن الجامعات تحمل مسؤولية تحويلية في دعم الذكاء الاصطناعي المستدام والشمولي، مشيراً إلى الدور الجوهري الذي يلعبه الأكاديميون والتربويون في دفع عجلة الابتكار ورفع مستوى الوعي في عصر الذكاء الاصطناعي.
قدمت الدكتورة نجلاء رزق مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للذكاء الاصطناعي المسؤول بوصفه مركزاً بحثياً متعدد التخصصات مخصصاً لدعم الذكاء الاصطناعي الشامل، مع التركيز القوي على أبعاد الجندر والتنمية. وصرحت بأن رسالة المرصد واضحة، وهي: ضمان مشاركة أصوات المنطقة بشكل فاعل ومؤثر في النقاشات العالمية حول الذكاء الاصطناعي.
كما استعرضت الدكتورة رزق مجموعة الأبحاث المتنوعة التي يقدمها المرصد، موضحةً أنها تسترشد بثلاثة أهداف استراتيجية: الذكاء الاصطناعي من أجل السياسات، والذكاء الاصطناعي من أجل الأشخاص، والذكاء الاصطناعي من أجل الممارسات.
من منظور السياسات العامة، سلطت الدكتورة هدى بركة، مستشارة وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتنمية المهارات التكنولوجية والأستاذة بكلية الهندسة جامعة القاهرة، الضوء على الزخم المتزايد للذكاء الاصطناعي في مصر، مشيدةً بمركز (A2K4D) كأحد الأصوات الإقليمية الرائدة التي تسهم في صياغة هذا الحوار.
كما جددت التأكيد على انفتاح وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (MCIT) على بناء الشراكات، لا سيما مع الشركات الصغيرة والمتوسطة، مؤكدة أن الشركات الناشئة التي تم الاحتفاء بها في كأس الذكاء الاصطناعي المسؤول (RAI Cup) تمثل نموذجاً حياً لكيفية ترجمة مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول إلى حلول عملية وواقعية.
أشارت الدكتورة هدى بركة إلى إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في مصر، موضحةً أن بناء منظومة متكاملة وقوية يعد أحد ركائزها الأساسية ومؤشرات أدائها الرئيسية. ويُعتبر بناء القدرات وتنمية مهارات الشباب القادرين على المساهمة في الذكاء الاصطناعي المسؤول محلياً وعالمياً أمراً محورياً في هذا المسعى. كما ذكرت أن التنظيم يجب أن يحمي المجتمع دون أن يُعيق الابتكار، وأن الوزارة تُحضّر لإطلاق مختبر تدقيق الذكاء الاصطناعي (AI Audit Lab) لتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئة آمنة.
قدمت نغم الحسامي، المديرة المساعدة للأبحاث في مركز إتاحة المعرفة من أجل التنمية (A2K4D)، كأس الذكاء الاصطناعي المسؤول (RAI Cup) كمبادرة رائدة من نوعها في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأكدت أن الكأس تعكس التزام المرصد بتحويل الذكاء الاصطناعي المسؤول من مرحلة الحوار إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ورغم الجهود المبذولة لتوسيع نطاق المشاركة الإقليمية، إلا أن معظم الطلبات البالغ عددها ٤١ طلبًا، والتي تغطي سبعة قطاعات، جاءت من مصر؛ مما يسلط الضوء على إمكانات الابتكار الكبيرة في الدولة، وفي الوقت ذاته يشير إلى وجود فرص واسعة لتعزيز المشاركة الإقليمية على نطاق أشمل في المستقبل.
كان جوهر الحدث يكمن في العروض التقديمية للشركات الناشئة، حيث استعرضت كل منها نهجاً متميزاً وحساساً للسياق المحلي تجاه الذكاء الاصطناعي المسؤول. وقد تولت تقييم هذه العروض لجنة من الخبراء ضمت كلاً من: الدكتورة هدى بركة، مستشارة وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وأستاذة هندسة الحاسبات بجامعة القاهرة؛ والسيدة لمياء الرشيدي، مدير عام إدارة الحاضنات بمركز إبداع التكنولوجيا وريادة الأعمال (TIEC)؛ والدكتور نزار سامي، محلل تنمية المهارات بالمكتب الإقليمي للدول العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
تناولت شركة كلاوديلك (Cloudilic) سؤالاً جوهرياً وهو: كيف يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) العمل بشكل مستقل في الأنظمة الواقعية دون خلق مخاطر جديدة؟ ومن خلال دراجيفاي (Dragify)، وهو نظام تشغيل لوكلاء الذكاء الاصطناعي، تعمل الشركة على مواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي غير المحكوم عبر دمج صلاحيات قائمة على الأدوار، وضوابط الحماية (Guardrails)، وقابلية التتبع، والإشراف البشري. يغطي حلُّهم الحيادي تجاه القطاعات مجالات الرعاية الصحية، والتمويل، والخدمات اللوجستية، والتأمين، مع خطط مستقبلية تشمل مراقبة الانحياز، وتقييم المخاطر على مستوى المهام، والحصول على الشهادات التنظيمية، وتصميم نماذج تراعي انبعاثات الكربون.
في مجال الرعاية الصحية، عرضت شركة رولوجي (Rology) نموذجًا قائمًا على مبدأ المسؤولية حسب التصميم (Responsible-by-Design)، حيث تخدم أكثر من ٣٥٠ مستشفى في ١٢ دولة، مع تركيز قوي على الفئات السكانية والمناطق الريفية والمحرومة من الخدمات. تدمج رولوجي بين الذكاء الاصطناعي وسير العمل الدقيق الذي يتدخل فيها العنصر البشري في حلقة اتخاذ القرار(Human-in-the-loop). يتيح مستودع بيانات التصوير الطبي الضخم و المجهول الهوية الابتكار مع الحفاظ على ثقة المرضى، كما تضمن أن تظل كل عملية تشخيص خاضعة لمصادقة استشاري أشعة معتمد.
قدمت شركة ظاهر اي (Zaher AI) منظوراً يضع اللغة العربية أولاً في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول ضمن نطاق الرؤية الرقمية. فمن خلال معالجة مشكلة الغموض (Black-box) في أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر توفير إمكانية التفسير(Explainability)، وربط مقاييس الذكاء الاصطناعي بنتائج الأعمال الفعلية، واحترام الفروق اللغوية والثقافية الدقيقة، برهنت ظاهر كيف يمكن للأخلاقيات أن تكون استراتيجية لتعزيز المرونة والثقة. وقد ركزت رحلتهم في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول على العنصر البشري، والشفافية، والاستدامة، والملاءمة الثقافية كمبادئ تصميم أساسية.
وأخيرًا، استعرضت شركة أجري كان (AgriCan)، ومقرها المنصورة، كيف يمكن للذكاء الاصطناعي المسؤول أن يدعم بشكل مباشر الاستدامة البيئية والأمن الغذائي. فمن خلال استخدام روبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي للكشف الدقيق عن أمراض النباتات وترشيد استخدام المبيدات، تنجح أجري كان في تقليل عمليات الرش بنسبة تتراوح بين ٣٠% إلى ٨٠%، مما يساهم في خفض التكاليف والحد من الأضرار البيئية. ويعطي نظام الشركة الأولوية لملكية المزارعين لبياناتهم، والإشراف البشري من قِبل المهندسين الزراعيين، بالإضافة إلى آليات المساءلة المُدمجة التي تُدرك وتُعالج أوجه القصور في الذكاء الاصطناعي في الحقل، كل ذلك مع خلق فرص عمل محلية جديدة.
بشكل عام، عرضت المسابقة مشهداً ريادياً حقيقياً عبر مختلف التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي في قطاعات وصناعات متنوعة.كما جسدت الحاجة الملحة لبناء الشراكات والتعاون بين الأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص والحكومة، مع الحفاظ على أطر تنظيمية قوية لضمان تطبيق الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي ومسؤول.